القاضي النعمان المغربي

100

تأويل الدعائم

أفضل السلام ، وما جاء عن الأئمة صلوات اللّه عليهم أجمعين بأن الّذي يستحق قبض الصدقات والزكاة وصرفها في وجوهها الإمام في كل عصر وزمان ومن أقامه الإمام لذلك ، وأنه لا يجوز لمن وجبت عليه دفعها إلا إليه ولا يجزى دفعها إلى أحد سواه ، وتأويل ذلك في الباطن أن ما وجب من إقامة أسباب أولياء اللّه الذين يقيمونهم لإقامة دينه وصلاح عباده الذين تقدم القول بأن أمثالهم أمثال الزكاة ، وأنهم ومن يقيمهم من أولياء اللّه هم الذين يزكون عباده ويطهرونهم ، فإقامتهم لذلك لا يجوز ولا يجب إلا لإمام الزمان أو من أقامه لذلك الإمام ولا يجزى أحد أن يقيم ذلك لنفسه دونهم ، وإن فعل ذلك لم يجز عنه عن الواجب عليه في ذلك ، وجاء في ذلك في كتاب دعائم الإسلام كلام كثير واحتجاج طويل وهذا الّذي ذكرناه هو جماع تأويله . ويتلوه من كتاب الدعائم ذكر زكاة الحبوب والثمار والنبات ، جاء في كتاب الدعائم من ذكر زكاة ما يخرج من الأرض قول اللّه عز وجل : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ » ، وقوله تبارك اسمه : « وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ » وعن الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال في ذلك : حقه الواجب عليه من الزكاة ، وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه أنه قال : « ما سقت السماء والأنهار ففيه العشر وما سقى بالغرب أي الدلو وأشباهه مما يستقى به من الآبار ، ففيه نصف العشر » وهذا هو الواجب في ظاهر الحكم في الزكاة ، وتأويل ذلك في الباطن أن الّذي يخرج من الأرض من النبات إنما يكون عن الماء الّذي ينزل من السماء ، وقد ذكرنا أن مثل السماء في الباطن مثل الناطق ومثل الأرض مثل الحجة ، ومثل الماء مثل العلم ، فالماء كله أصله من السماء فمنه ما ينزل كالمطر ومنه ما قد نزل فأسكنه اللّه عز وجل في الأرض ، كما قال سبحانه : « وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ » . فمثل ما ينزل من السماء من الماء مثل ما يخرج من الناطق من العلم ومصيره إلى الأرض وما أودعته من ذلك مثله ما صار من العلم من قبل الناطق إلى حجته ، ومثل ما يخرج عن ذلك من النبات أمثال المؤمنين الذين تنبتهم حكمة أولياء اللّه ، وهم ضروب كما يخرج ،